نذير حمدان

183

حكمة القرآن والحضارة

أ - معنى عام : وهو الاختبار الذي يوسع الفكر ويغنيه ، والمجرّب هو الذي جربته الأمور وأحكمته . قال المتنبي : ليت الحوادث باعتني الذي أخذت * مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي وهي أيضا : التغيرات النافعة التي تحصل لملكاتنا ، والمكاسب التي تحصل لنفوسنا بتأثير التمرين ، أو هي التقدم العقلي الذي تكسبنا إياه الحياة . والتجربة بهذا المعنى قسمان : تجربة الفرد ، وتجربة النوع ، وهذه الأخيرة هي التي تنتقل إلينا بالتربية ، واللغة ، والتقليد ، أو بالوراثة النفسية والفيزيولوجية ، ولا يطلق لفظ التجربة إلّا على التغيرات النافعة ، أما التغيرات الأخرى كالنسيان ، وعدم المبالاة ، وفساد الأخلاق فلا تسمّى تجارب . وفي نظرية المعرفة ، يطلق لفظ التجربة على المعارف الصحيحة التي يكتسبها العقل بتمرين ملكاته المختلفة ، لا باعتبار هذه المعارف داخلة في طبيعة العقل ، بل باعتبارها مستمدة من خارجه ، والفلاسفة يفرقون بين التجربة الخارجية ( بطريق الإدراك الحسي ) والتجربة الداخلية ( بطريق الشعور ) . ب - ومعنى خاص : وهو أن يلاحظ العالم ظواهر الطبيعة في شروط معينة ، يهيئها بنفسه ، ويتصرف فيها بإرادته ، ففي كل تجربة ملاحظة ، إلّا أن الفرق الوحيد بينهما هو أن الملاحظ يشاهد الظاهرة كما هي عليه في الطبيعة ، في حين أن المجرّب يشاهدها في ظروف يهيئها بنفسه ، وغايته من ذلك الوصول إلى قانون يعلل به حوادث الطبيعة . والتجريب الذهني : مقابل التجريب المادي : وهو أن يتصور المرء بعض المواقف ويركز انتباهه فيها ، ويتنبأ بما ينشأ عنها من نتائج ، وهذا التجريب لا يبلغ غايته إلّا إذا أمكن تمثل المواقف تمثلا دقيقا ، وهو أيسر من التجريب المادي ، لأن تصوراتنا بأيدينا فواضعو المشروعات وبناة القصور في الخيال والروائيون ومخترعو النظريات السياسية والاجتماعية ، والباحثون عن الحقيقة يتصورون جميعا ، والتجربة عند الغزالي التي يستعملها كثيرا معناها :